الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
261
مناهل العرفان في علوم القرآن
ولا ريب أن وضع التشريع على هذا الوجه ، فيه متسع للجميع . وفيه إغراء للنفوس الضعيفة أن تتشرف باعتناق الإسلام ولو في أدنى درجة من درجاته . حتى إذا أنست به وذاقت حلاوته ، تدرجت في مدارج الرقى ، فمن إيمان إلى إسلام إلى أداء ركن إلى أداء فرض إلى أداء واجب إلى أداء مندوب مؤكد إلى أداء مندوب غير مؤكد . ومن ترك نفاق إلى ترك شرك وكفر إلى ترك كبيرة إلى ترك صغيرة إلى ترك مكروه تحريما إلى ترك مكروه تنزيها إلى ترك ما لا بأس به حذرا مما به بأس . ومن مجرد أداء للنوافل إلى زيادة فيها وإكثار منها ، حتى يصل العبد إلى ذلك المقام الذي جاء فيه عن اللّه تعالى : « ولا يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ؛ ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشى بها ، ولئن سألني لأعطينه ، ولئن استعاذ بي لأعيدنه » رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة عن النبي صلى اللّه عليه وسلم فيما يرويه عن ربه . على ضوء هذه السياسة الشرعية الحكيمة التي نزل بها القرآن ، كان صلى اللّه عليه وسلم يتدرج بالأقوام رويدا رويدا ، كما كان يتساهل معهم تأليفا لقلوبهم واستمالة لهم إلى اعتناق الدين على أي وجه . ومن ذلك ما رواه الإمام أحمد بسنده عن نصر بن عاصم الليثي عن رجل منهم أنه أتى النبي صلى اللّه عليه وسلم فأسلم على أن يصلى صلاتين ( لا خمسا ) فقبل منه وجاء في رواية أخرى : على ألا يصلى إلا صلاة فقبل وعن وهب قال : سألت جابرا عن شأن ثقيف إذ بايعت فقال : اشترطت على النبي صلى اللّه عليه وسلم أن لا صدقة عليها ولا جهاد ، وأنه سمع النبي صلى اللّه عليه وسلم يقول بعد ذلك سيتصدقون ويجاهدون رواه أبو داود وعن أنس أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال الرجل : « أسلم » قال أجدني كارها قال : « أسلم وإن كنت كارها » رواه أحمد ، قال الشوكاني في نيل الأوطار بعد أن سرد هذه الأحاديث : « فيها دليل على أنه يجوز مبايعة الكافر وقبول الإسلام منه وإن شرط شرطا باطلا » . والمراقب لنزول القرآن وسير التشريع الإسلامي ، يرى من مظاهر هذه السياسة